يحيى عبابنة

39

تطور المصطلح النحوي البصري من سيبويه حتى الزمخشري

عن ذلك - ، والأمر عند النحويين هو طلب حدوث الفعل على وجه الاستعلاء ، وهذا - الذي ذكرناه - ليس على وجه الاستعلاء ، والحقيقة أن هذا الأمر لم يغب عن بال النحويين في هذه المرحلة الزمنيّة ، بل لقد قاموا بتقسيم فعل الأمر إلى أقسام وفق منزلة من يتكلم بالفعل الذي هو « الأمر » . وأما المضارع فإنني أقول فيه إنّه إذا كان مصطلح الماضي ناشئا من زمان الفعل ، ومصطلح الأمر ناشئا من معناه ، فإن مصطلح المضارع ليس كذلك ، وإنما هو مصطلح إعرابي بحت ، فقد قال النحويون إنّ الأصل في الاسم أن يكون معربا وإنّ الأصل في الفعل أن يكون مبنيا ، وقد خرجت أسماء على هذه القاعدة ، فهي مبنيّة ، وذلك لعلّة ، وهي : مشابهتها للحروف في كثير من المواضع ، كالضّمائر والمبهمات الأخرى ، فبنيت لذلك ، وكذلك الأفعال ، فنجد منها ضربا معربا بسب مشابهته للأسماء ومضارعته لها ، ومن هنا جاء مصطلح المضارع ، ومما جاء من نصوص للنحويين تدعم هذا ، قول سيبويه « 113 » : ( هذا باب الأفعال المضارعة للأسماء . ) وقال المبرّد « 114 » : ( اعلم أن الأفعال إنما دخلها الإعراب لمضارعتها الأسماء ، ولولا ذلك لم يجب أن يعرب منها شيء ، وذلك أن الأسماء هي المعربة ، وما كان غير الأسماء فمآله لها ، وهي الأفعال والحروف . ) وقال أيضا « 115 » : ( وإنما قيل لها مضارعة ؛ لأنها تقع مواقع الأسماء في المعنى ، تقول : زيد يقوم وزيد قائم ، فيكون المعنى فيهما واحدا ) . أي أنه يصحّ أن تكون الأفعال المضارعة خبرا للمبتدأ ، وقد ذكر هذا ابن السراج في أكثر من موضع « 116 » ، وقال الزجاجي « 117 » : ( والمستقبل ما حسن فيه « غد » وكانت في أوّله إحدى الزوائد الأربع . . . وهو مرفوع أبدا لمضارعته لاسم الفاعل ووقوعه موقعه ، سواء حتى يدخل عليه ناصب أو جازم ) . وقال « 118 » : ( لما ضارع الفعل المستقبل الأسماء بوقوعه موقعها وبسائر وجوه المضارعة المشهورة التي تذكر في مواضعها مسطّرة في كتبكم

--> ( 113 ) الكتاب 3 / 5 ، وانظر 4 / 219 . ( 114 ) المقتضب 2 / 1 . ( 115 ) المقتضب 2 / 1 . ( 116 ) الأصول 1 / 53 ، وانظر 1 / 145 ، 2 / 151 . ( 117 ) الجمل ص 7 . ( 118 ) الإيضاح ص 87 .